العدد الثاني والثلاثون - نيسان

ناصيف نصار والحداثة العربية

د. جورج قرم
الاربعاء 23 نيسان (أبريل) 2008.
 

نظمت الجامعة الأنطونية ندوة حول فكر الفيلسوف اللبناني الدكتور ناصيف نصار، في اطار سلسلة إسم علم التكريمية، في قاعة كلية الهندسة في الحرم الرئيسي للجامعة - الحدث، في حضور مدير شؤون المسرح والسينما في وزارة الثقافة غسان أبو شقرا ممثلا وزير الثقافة طارق متري، جوزف غريب ممثلا النائب أنور الخليل، العميد الركن مارون خريش ممثلا قائد الجيش ميشال سليمان، العميد المؤسس لكلية إدارة الأعمال في الجامعة الأنطونية الوزير السابق ديميانوس قطار ونائبته الرئيسة العامة للراهبات الأنطونيات الأخت جوديت هارون، الرئيس العام للرهبانية الأنطونية الأباتي بولس تنوري، ربيع الدبس ممثلا رئيس الحزب السوري القومي الإجتماعي، رئيس بلدية نابيه شهيد عطالله وعائلة ناصيف نصار، وفاعليات. وقد شارك في الندوة الوزير السابق جورج قرم، أستاذ الفلسفة في جامعة محمد الخامس في الرباط الدكتور محمد المصباحي، الدكتور فارس سياسين من الجامعة البنانية، نائبة الرئيس للشؤون الثقافية في الجامعة الأنطونية بسكال لحود.وهنا نص كلمة الوزير السابق جورج قرم.

 

محافظة على استقلاله وثبات موقفه وعلو همته، علّه يعثر على نقطة ارتكاز ينطلق منها لبناء فلسفته. الأهوال التي مرت، وما زالت تمر على العالم العربي، وبخاصة على لبنان، تجعل من العسير التفكير بالمفاهيم النظرية، بالقيم المطلقة، بالمواقف المحايدة. ومع ذلك، استطاع نصّار ان ينجو من النهر العربي المتقلب، دون ان يحرم نفسه من الاستحمام فيه اكثر من مرة، وفتح المسالك نحو فلسفة سيكون لها ما بعدها.

ان الأعمال الفكرية للدكتور ناصيف نصّار هي متواصلة ومتكاملة مع فكر جيل النهضة العربية الأولى التي بدأت برحلة فارعة الطهطاوي إلى فرنسا في بدايات القرن التاسع عشر وانتكست بعد الحرب العالمية الثانية بفعل عوامل عديدة، منها الداخلية ومنها الخارجية المصدر في علاقة تشابكية معقدة بين الداخل والخارج. وما يثير الاعجاب في فكر ناصيف نصّار، وعلى خلاف العديد من المفكرين العرب من الجيل الجديد، هو متابعة نهج النهضة العربية الأولى المبني على التفاعل الثقافي والفكري بين التراث العربي من جهة والحداثة الأوروبية والغربية من جهة ثانية. بل ان ناصيف نصار في آخر اعماله يدعو الى نهضة عربية ثانية، وهو في ذلك يعبّر عن مدى اصابة النهضة الأولى بنكسة متعددة الوجوه طاولت الحياة السياسية والثقافية العربية التي رافقها ناصيف نصار دون ان يتنازل عن نهجه في التفكير السياسي الرصين وممارسة العقل النقدي في وجه صعود التيارات الانفعالية واللاعقلانية والعاطفية لدى النخبة الثقافية العربية اثر سقوط حلم تحقيق الوحدة العربية.

 

ناصيف نصار: الجسر الفكري بين النهضة العربية الأولى المنصرمة والنهضة الثانية المنتظرة

 

يمكن في هذا المضمار ان ينظر الى الأعمال الفكرية الغنية والمتعددة لناصيف نصار على انها تكملة، لا بل اضافة هامة، لفكر المرحوم قسطنطين زريق الذي ناضل طوال حياته وعبر كتاباته المتعددة من اجل توفير عناصر المعرفة الموضوعية، الملتصقة بالواقع، التي تسمح للعرب ان ينهضوا من تهميشهم في التاريخ البشري وان ينجحوا في تأكيد وجودهم الفاعل في النظام الدولي واعادتهم الى عالم الابداع والانتاج على قدم المساواة مع سائر الأمم. ولا بد، في هذا السياق، من ذكر الأعمال الفكرية الجليلة لشخصية ثقافية اخرى اثّرت تأثيراً كبيراًفي ارساء دعائم النهضة العربية الأولى وهو الشيخ الأزهري محمد امين في كتاباته الغنية عن الحضارة الاسلامية ومراحلها المختلفة. وهنا نرى التواصل الفكري عبر الأجيال من الطهطاوي الى احمد امين فقسطنطين زريق ومن ثم ناصيف نصار.

ان اعمال هذه الشخصيات الأربع متكاملة وتكوّن البنية الأساسية لمنظومة فكرية عربية، طالما احتجنا إليها، خاصة في هذه الحقبة السوداء من التاريخ العربي التي نعيش فيها منذ انكسار الأحلام والطموحات التي كانت سائدة على الساحة الفكرية والسياسة العربية، ابّان الحرب العالمية الثانية. فقد كانت الآمال كبيرة حينذاك بأن المجتمعات العربية، وهي على وشك التخلّص من وطأة الاستعمار الأوروبي، سلمياً او عبر الكفاح المسلّح، ستتغلّب على كل اوجه التخلف الاجتماعي والاقتصادي والتربوي وستتمكن من الانضمام الى مسيرة الأمم الأكثر تقدماً للمساهمة الفاعلة في تطوير الحضارة العالمية.

لكن التطورات اللاحقة ادّت بالتدريج الى فقدان الأمل والتقوقع، وذلك اثر العجز في مجابهة بروز الظاهرة الصهيونية واغتصابها لفلسطين، كما ان الانقلابات العسكرية المتعددة، في اكثر من قطر عربي، قد قضت على جو الحرية الفكرية الذي كان سائداً سابقاً، وادّت كذلك الى مشاحنات قوية بين الأنظمة العربية بدلاً من تحقيق التضامن العضوي في غياب دولة الوحدة. بل ان ما ظهر على الساحة العربية من مسرحيات سياسية رديئة في تحقيق وحدة بين قطرين او اكثر، وانهيار هذه الوحدة بعد اشهر معدودة، قد ادّى الى فقدان المواطن العربي الأمل بمستقبل افضل في ظل انظمة اصبحت كلها، جمهورية كانت ام ملكية، قمعية وداخلة في لعبة الأمم بشكل تابع وذيلي، سواء خلال فترة الحرب الباردة ام بعدها.

وقد حلّت الايديولوجيات الاسلامية الطابع، بتلاوينها المتعددة، محلّ الفكر القومي العربي، اذ دخلت المجتمعات العربية عهد الصحوة الإسلامية كبديل للصحوة القومية المفقودة. ولم تؤد هذه الصحوة بتعبيراتها المختلفة والمتناقضة الى مزيد من الانسجام والتماسك في الثقافة العربية والفكر السياسي، بل اعادت انتاج الانقسامات السابقة بأشكال مختلفة ومتعددة. فالصحوة الاسلامية بتعبيراتها المتعددة استلهمت من المذهب الوهابي الخليجي ومن صعود السلفيات الدينية الغربية وظاهرة عودة الدين العالمية ـ التي أعطت دفعة قوية للغاية للكيان الصهيوني ـ وقد استلهمت أيضاً من أدبيات الثورة الدينية الايرانية. وهذا ما أثار انقساماً اضافياً بين العرب، كان الاعتقاد بأن قد تخطاه الزمن، الا وهو

الانقسام بين ايديولوجيا شيعية حديثة مرتكزة على مبادىء الثورة الدينية في ايران وايديولوجيا سنية متجددة، سلفية الطابع وشديدة المحافظة، بفعل المكانة السياسية والاقتصادية والمالية البارزة التي احتلتها المملكة العربية السعودية، وهي عملت منذ نشأتها في بداية القرن الماضي على نشر المذهب الوهابي ومذاهب الاخوان المسلمين التي اصبحت طاغية على اتجاهات الفكر السياسي في العالم العربي وخارجه على حساب الفكر القومي.

في خضم كل هذه التطورات العملاقة، يظهر فكر ناصيف نصار كشعلة مضيئة في النفق المظلم الذي نحن فيه. فقد تعرّض في اعماله الى المشاكل الرئيسة للأمة العربية الا وهي صعوبة التكيّف مع الحداثة، وبشكل خاص صعوبة فهم المنطق القومي وصعوبة فهم منطق السلطة. وليس من الصدفة ان يكون المشوار الفكري الشيّق والمعمّق لناصيف نصار قد بدأ بمؤلفه الشهير، الموضوع باللغة الفرنسية كأطروحة دكتوراه المكرّس لدراسة الفكر الواقعي لابن خلدون، ذلك ان هذا المؤرخ والفيلسوف ومؤسس السوسيولوجيا عالمياً كان المنظّر الأكبر لتطور الأزمنة والأنظمة والعصبيات التي تؤمّن استمرارية البنى المؤسساتية او انهيارها.

ومن هذا المنظار، فان اهتمام ناصيف نصار بفكر ابن خلدون وتأثره به يجعل منه حقيقة فيلسوف الحداثة الرئيسي في العالم العربي. وبشكل مواز لفكر قسطنطين زريق، فإن هدف ناصيف نصار في كل كتاباته هو مساعدة المجتمع العربي في التكيف مع الحداثة التي هجرها منذ زمن، وكأن اعمال ابن خلدون هي بمثابة الاشارة المبكرة للعرب بأنهم سائرون على الطريق الذي يخرجهم من الحداثة اي من التاريخ، فالحداثة حقيقة ليست الا مقولة ذات فائدة في التحليل للدلالة على تغيير الأزمنة في حركة التاريخ.

 

وقد قام نصار مؤخراً بوضع دراسة رائعة حول ابن خلدون والحداثة يكشف فيها ليس عن عبقرية ابن خلدون فحسب، بل عن اهتمامه هو بظاهرة الحداثة بكل ابعادها. وهذا المقال هو محطة هامة في مشوار ناصيف نصار، حيث يعيد التواصل مع مؤلفه الأول حول ابن خلدون ويتوّج اعماله السابقة، الموسوعية الطابع، عن منطق القومية ومنطق السلطة. ان اعتماد ناصيف نصار على فكر ابن خلدون واعادة قراءته على ضوء مقتضيات الفترة الزمنية الراهنة، يحتل مكانة مركزية في اعمال ناصيف نصار، ويحصّنها ضد التعرّض للانتقاد من قبل السلفيات الفكرية العديدة التي طالما اتّهمت روّاد النهضة العربية الأولى بأنهم خاضعون لاستلاب فكري من قبل الثقافة الغربية مما جعلهم، حسب هذه النظرة، بعيدين عن مشاكل الوطن وهمومه وتراثه.

ان اهمية المرجعية الخلدونية عند ناصيف نصار تبطل تماماً هذه التهمة التي يمكن ان توجّه اليه، كما وجّهت الى فكر النهضة العربية عموماً، على اساس انها استوردت المقولات والمنظومات المعرفية من الغرب على حساب المنظموة الفكرية الثقافة الاسلامية. وهذا ما يساهم، في نظر المنتقدين والداعين الى الصحوة الاسلامية، في مزيد من انحطاط الأمة وسلب شخصيتها وعبقريتها الاسلامية. فالحداثة، في نظر هؤلاء الاسلاميين، هي مجرد مرادف للحضارة الغربية وتطورها وفرض هيمنتها على سائر العالم وبشكل خاص على العالم الاسلامي الذي يفترض، تبعاً لهذه النظرة، انها افقدته شخصيته. وقد تم التعبير عن هذه الحجة في العديد من الندوات والكتابات حول الغزو الثقافي الغربي للمجتمعات العربية والاسلامية. وتبدو هذه الحجة قوية للغاية عندما ننظر حالة الأمة وانحطاطها المتواصل، رغم النهضة العربية الأولى التي يظهر انها فشلت تماماً في اعطاء العرب الاطمئنان الوجودي وثبات النفس وتأكيد الهوية والشخصية في النظام الدولي. فهذا النظام الذي سمح للهجمة الاستعمارية الأميركية والصهيونية التي حلت محل السيطرة الأوروبية السابقة في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين لهو خير دليل، في نظر الاسلاميين، على صحة طرحهم. ويجب، في هذا المضمار، عدم الاستهانة بقوة الحجة القائلة بأن الحداثة ليست الا الغلاف البرّاق لشراسة الغرب وميله الى السطو والاستيلاء على مصير الشعوب الأخرى، وأن العولمة بدورها هي المرحلة المتقدمة لعدوانية الثقافة والفكر الغربي تجاه الآخرين.

 

الموقف من الغرب والحداثة بين ادوارد سعيد وناصيف نصار

 

ويمكننا هنا، لتأييد هذه الحجة، ان نستذكر فكر المرحوم ادوارد سعيد في كتابيه المشهورين: الأول حول الاستشراق، والآخر حول الثقافة والامبريالية، حيث رأى هذا المفكر الكبير ان الثقافة الغربية كلّها مليئة بالازدراء تجاه العرب والمسلمين ومركبة اساساً لايذاء هذه الشعوب.

كان لا بد في الحقيقة من ذكر ادوارد سعيد هنا لأنه، هو ايضاً، من كبار المثقفين العرب المشبعين بالثقافة الغربية، والمنتقدين لها في نفس الوقت، مما يخلق نوعاً من الانفصام في الشخصية لا يعرفه فيلسوفنا الكبير، ناصيف نصار، لسبب بسيط لم يتوفر عند ادوارد سعيد وهو ان ثقافة نصار مزدوجة تماماً، اي تمتاز بمعرفة التراث العربي والاسلامي، كما تمتاز بمعرفة منظومة المعارف الغربية الحديثة. ان ناصيف نصار مفكر ليس همّه الا الفكر، لأنه يعتقد ان مفتاح التقدم هو تقدم الفكر بتأثيره على المؤسسات من جهة اعطائها الصلابة والتماسك، هو لم يدخل في المعترك السياسي اللبناني او العربي، فهو عالم وليس مناضلاً سياسياً. بينما، في حالة ادوارد سعيد، فكونه فلسطينياً مطروداً من فلسطين قد جعله منضلاً بارزاً لاستعادة الحقوق الفلسطينية المهدورة، فوجّه كتاباته في شتّى الاتجاهات، منها الهادفة الى تخاطب الغرب بلغة المنظومة الفكرية الغربية الانسانوية والكونية الطابع لوضع الدوائر السياسية الغربية امام مسؤوليتها في المأساة الفلسطينية، ومنها ما تناول النقد اللاذع للمنظومة الثقافية الغربية، متأثراً بمنهج غربي لكنّه مدافع بشراسة عن المسلمين، وكأن انحطاط العرب والعالم الاسلامي مردّه فقط الى العامل الخارجي، اي الهيمنة الغربية. ولذلك نجد هذا الفكر المضطرب عند ادوارد سعيد، هذا المغترب العربي الشهير الى الولايات المتحدة، والذي برع في العالم الأكاديمي الأميركي كأستاذ في الأدب الانكليزي، والذي يود ان يؤكد باستمرار انتماءه الى العالم العربي والاسلامي كتعويض لحالة الاغتراب والتربية الأنغلوساكسونية التي تلقاها منذ صغر سنه على حساب تربية عربية تجذّره في الثقافة العربية بمكوّنها الاسلامي وغير الاسلامي.

اما ناصيف نصار فهو بعيد داصعن هذه الحالة الاضطرابية، بالرغم من وضع بلده لبنان المأساوي ايضاً، اذ لم ينغمس مباشرة في اي من المعارك السياسية والفكرية الظرفية اللبنانية او العربية، بل بقي فوق المعترك المحلي اميناً لرسالته الفكرية الفلسفية في استيضاح دعائم الحداثة، بعيداً عن الحرب الفكرية العبثية بين الأصالة والحداثة التي اصابت الفكر الغربي نفسه قبل ان تنتقل الى المجتمعات الأخرى غير الأوروبية، وذلك ابتداءً من الحروب الدينية بين البروتستانت والكاثوليك في القرن السابع عشر وبروز السلفيات الدينية الحادة والمتناقضة، البروتستانتية الطابع او الكاثوليكية الطابع، مروراً بالحروب بين فرنسا الجمهورية والملكيات الأوروبية المحافظة، وانتهاءً بالمعارك الفكرية حول دخول الغرب الى ما بعد الحداثة كعهد جديد يتنكر لتراث فلسفة الأنوار ويقبل، بل يرحّب، بعودة الدين والارهاصات الفكرية المختلفة التي انطلقت في الثقافة الغربية من فكر الفيلسوف نيتشيه ومن ثم هايدجر.

والجدير بالذكر هنا انتقال عدوى الحرب الفكرية الأوروبية، بين الحداثة والأصالة والمآسي التي تولدت عنها، الى المجتمعات الأخرى مثل روسيا التي انقسمت بين أنصار الأصالة، تحت عنوان الحفاظ على الثقافة السلافية والايمان الديني على الطريقة الأرثوذوكسية (slavophiles) من جهة، وانصار التفرنج اي الأخذ بالحضارة الأوروبية والقضاء على الثقافة السلافية الجامدة والخرافات الفكرية القديمة (occidentaux) من جهة اخرى. وانتقل هذا المرض الخطير الى العالم العربي والاسلامي، وكذلك الى العالم الياباني والصيني والهندي. وبينما تمكّنت هذه الثقافات، خارج اوروبا، من التخلص من اهم عوارض هذا المرض، يبدو ان المجتمع العربي وبعض المجتمعات الاسلامية الأخرى، ما تزال تتخبّط في اشكالية الأصالة والحداثة بشكل عقيم ودائري. ومن هنا اهمية اعمال ناصيف نصار، وبشكل خاص منهجه الفكري الموضوعي والوضعي في آن معاً الذي قدم للثقافة العربية سبل الخروج من المأزق المزمن، اي من ضياع الهوية الجماعية بين متخيّل مزيّف للأصالة والوفاء للتراث من جهة، ومتخيّل مضاد لهذا التراث، ينجذب الى الحداثة بالاعجاب والانسحار، ويأخذ منها القشور والمظاهر الخارجية فقط، دون النفاذ الى الجوهر وبلوغ الوعي التاريخي الناجز، من جهة اخرى.

وهنا تظهر اعمال ناصيف نصار كمجرى نهر هادىء يجمع باستمرار، وبشكل متجانس ومنطقي، بين معطيات التاريخ العربي ومميزاته، ومعطيات التغييرات الحاصلة في المناطق الأخرى من العالم، وعلى رأسها اوروبا، التي لا يمكن نكران دورها الحضاري والثقافي والفلسفي على صعيد كل المجتمعات الأخرى، وبغض النظر عما فعلته اوروبا من جرائم متعددة ضد الشعوب الأخرى في بسط هيمنتها على العالم. ولذلك لا نجد في اعمال ناصيف نصار الانفعال والعواطف والهروب الى التبسيطات الفلسفية والوجودية التي تأخذ طابع الشعار اكثر مما تأخذ طابع المادة الثقافية الجوهرية لارساء دعائم نهضة عربية جديدة. ويظهر بالتالي ناصيف نصار كالرجل الصلب الذي يمضي قدماً في توسيع رقعة المعارف العربية في كل ما يتعلّق بمصير الأمة السياسي والثقافي (اي بالعمران بالتعبير الخلدوني)، في خضم تعقيد العالم. ومما لا شك فيه، عبر قراءة مقاله الأخير حول ابن خلدون، والمذكور سابقاً، ان المرجعية الخلدونية بقيت تؤثر على ناصيف نصار اذ يتعمق باستمرار في فكر هذا القلم العربي، بحيث تمكن نصار ايضاً، بشكل رائع، من ابراز عبقرية ابن خلدون في تحديد ماهية الحداثة، مما يثير مرة اخرى وجديدة اعجابنا بهذا العملاق العربي القديم وفهم حداثة فكره والمفاتيح التي يقدمها لنا لنفهم حركة الأزمنة وآلياتها الرئيسة.

 

التغير في التاريخ وتعبيراته

 

يقول ناصيف نصار في هذا الخصوص: نحن حقاً أمام نظرة راديكالية وشمولية الى التغير التاريخي الكبير. تحولات التاريخ تتخذ، بموجب هذه النظرة، شكل حقب طويلة، لكل واحدة اصولها وفروعها وحوادثها الخاصة، اي، بلغة العمران، اممها وقبائلها واجيالها وجميع ما يقع لهم في تعاقب الأيام والسنين من عوارض واحوال في مجرى اعتمار للعالم. هل هذه الحقب منفصلة تمام الانفصال بعضها عن بعضها الآخر؟ وهل يوجد شيء من الوحدة داخل كل واحدة منها؟ وما هو قانون تعاقبها في حال وجود قانون لتعاقبها؟ وكيف يجري التغير في كل واحدة منها؟ وهل ثمة معنى اعلى لمسيرة التاريخ الذي يشملها جميعاً؟ هذه اسئلة لا بد للمتأمل من ان يطرحها، لأن جرأة ابن خلدون تشجّع على طرحها. والحق ان ابن خلدون فتح الباب لطرحها، وتطرّق لبعضها تلميحاً والماماً: غير ان ما يهمنا ههنا من فكره يتمحور حول نقطة واحدة، اعني مسألة الجديد في تمايز الحقب وتعاقبها. وفي هذه النقطة بالذات، يأتي جواب ابن خلدون قاطعاً، ومستكملاً لما يريد قوله. كأنّه شعر بضرورة مزيد من الوصف لتوضيح فكرته عن التبدّل الشامل في التاريخ، فأضاف: وكأنه خلق جديد، ونشأة مستأنفة، وعالم محدث. وانتقل، على اقتناع بأن الفكرة قد توضّحت كفاية، الى التطبيق بالنسبة الى تاريخ المغرب لعهده.

ويكمل صاحب هذا المقال الرائع عن ابن خلدون والحداثة بتحليل كل عبارة من العبارات المستعملة في الجملة الخلدونية المذكورة سابقاً وانارة عمق معناها، ويضعها في مجرى الفكر الخلدوني العام المركّز على العمران والانحطاط في المجتمعات البشرية وقوانينها. ويزيد ناصيف نصار الشرح والتمحيص في فكرة الاستئناف عند ابن خلدون، بعد ان سبغ غور كل المعاني المحتملة للكلمة باعطاء امثلة متعددة: ففي هذه الأمثلة، تختلف النسبة بين الاختلاف والاستمرار، بنسبة اختلاف معطيات الموضوع المستأنف وظروف استئنافه، بحيث يمكننا ان نفهم من خلالها ان المقصود من استئناف الى النشأة هو اقصى درجات التباين مع الاستمرار، فالنشأة المستأنفة في فكر ابن خلدون تجري في تاريخ العمران البشري, ولذا، فانها تحتفظ بعناصر من طبيعة البشر ومن طبيعة اعتمارهم للعالم وتنفتح في ما عدا ذلك على كل اشكال الاختلاف ودرجاته. وهذا بالضبط ما يعنيه الجديد محمولاً على الخلق، ففي التاريخ البشري، لا يتغير الانسان من حيث انه خليقة، بل تتغير احواله من حيث انه فاعل زمني الوجود. واقصى درجات هذا التغير يتخذ شكل خلق جديد، اي خلق آخر يعقب خلقاً ويسبق خلقاً يأتي بعده. بهذا المعنى، التحوّل في التاريخ تحوّل خلاق، وذلك دون نفي لميتافيزيقيا الخلق، لأن كل ما يحتويه محدث، وليس قديماً (ازلياً)، واحداثه ليس مثل خلق الله للمحدث. ونحن في عالم الحدوث والحوادث والمحدثات، ولسنا في عالم الجواهر الثابتة الأزلية. ان تفكير ابن خلدون في حركة الخلق في التاريخ تفكير مركّب، ينطوي على تمييز غير متبلور بين لاهوت الخلق وبين النظرة العقلية الى احوال الخليقة، وهو حداثي، بحسب تعبيرنا، لأنه، بالضبط، يؤكد ان استئناف التبدل الشامل في التاريخ انما هو عالم محدث، اي خلق جديد